السيد محمد حسين فضل الله
8
من وحي القرآن
خصائص السور المكية والمدنية ذكر الباحثون في علوم القرآن ، أن الطابع الذي تتميز به السور المكية ، هو الحديث عن أصول العقيدة والإيمان باللَّه ، بكل ما يستتبع ذلك من تفاصيل الصفات ، وآفاق العظمة الإلهية المتجلّية في عظمة خلقه . . وعن الإيمان والرسل والرسالات ، وما كان يواجههم من تحديات ، وما كانوا يستخدمونه من أساليب معجزة وغير معجزة . . وعن الإيمان باليوم الآخر وما يثيره من مشاعر وأفكار ، وما يتطلّبه من مواقف عملية في حياة الناس . . وما يثأر حوله من شبهات وإشكالات . . وهكذا يتنوع الحديث في آفاق الفكر والعقيدة ، ليحدد للإنسان الضائع في متاهات الكفر والشرك والضلال ، المنهج الذي يقوده إلى التفكير المتّزن ، ويطوف به في آفاق الحق والخير والاستقامة ، ليكتشف من خلال ذلك الصراط المستقيم في الإيمان باللّه وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ، لأن ذلك يمثل التحدي الأهم الذي يواجه الإسلام في مرحلته الأولى . فكل الأسئلة التي أثيرت أمام الدين الجديد ، هي أسئلة حول مدلول التوحيد الفكري والعملي ، وحول صفات النبي التي كانت صورته التقليدية الراسخة في الأذهان صورة أسطورية خارقة القدرات ، وحول شخصية الملائكة وإمكانية المعاد الذي كان التفكير الجاهلي يستبعد فيه فكرة إعادة الناس إلى الحياة بعد موتهم . أمّا السور المدنية ، فيقولون إن طابعها هو الحديث عن بعض تفاصيل العقيدة التي كان يثير أهل الكتاب حولها علامات الاستفهام ، وعن الشريعة بكل مفاهيمها وأحكامها ، وعن قصص الأنبياء السابقين والأمم السالفة . . وذلك ما كان يريده القرآن من تثبيت للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وللمسلمين معه أمام ما يواجهونه من صعوبات المرحلة العنيفة في صراعهم مع الكفر والضلال . .